سيدات مبدعات
تمكين الشباب: من إتاحة الفرص إلى صناعة المستقبل
تمكين الشباب: من إتاحة الفرص إلى صناعة المستقبل

تمكين الشباب: من إتاحة الفرص إلى صناعة المستقبل
بقلم: المستشارة إسراء أسامة الطماوي
ما معنى تمكين الشباب؟
تمكين الشباب ليس مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات، ولا مجموعة من المبادرات التي تُنفَّذ لفترة محدودة ثم تختفي، وليس مجرد منح الشباب مناصب أو ألقابًا أو فرصًا شكلية للمشاركة.
تمكين الشباب هو عملية متكاملة تهدف إلى تحويل الشباب من متلقّين للقرارات إلى شركاء في صناعتها، ومن مستفيدين من الفرص إلى قادرين على ابتكارها، ومن طاقات تنتظر التوجيه إلى قوى فاعلة تمتلك المعرفة والمهارة والثقة والمسؤولية.
إنه بناء الإنسان القادر على فهم واقعه، واكتشاف إمكاناته، واتخاذ قرارات واعية، وتحمل نتائجها، والمشاركة في تنمية مجتمعه بصورة مستدامة.
• التمكين يبدأ ببناء الإنسان
لا يمكن الحديث عن تمكين حقيقي للشباب دون الاستثمار في قدراتهم الفكرية والنفسية والاجتماعية والمهنية.
فالشاب الذي يمتلك شهادة علمية، لكنه لا يستطيع التواصل بفاعلية، أو حل المشكلات، أو اتخاذ القرار، أو إدارة وقته، قد يجد نفسه عاجزًا عن توظيف معرفته في الواقع العملي.
لذلك، فإن تمكين الشباب يتطلب منظومة متكاملة تشمل:
التمكين المعرفي: تنمية التفكير النقدي، والوعي المجتمعي، والقدرة على تحليل المعلومات ومواجهة التضليل.
التمكين المهاري: اكتساب مهارات القيادة، والتواصل، والتفاوض، والعمل الجماعي، وحل المشكلات.
التمكين النفسي: تعزيز الثقة بالنفس، والمرونة في مواجهة التحديات، والقدرة على التعلم من الإخفاقات.
التمكين الاقتصادي والمهني: توفير فرص التدريب والعمل وريادة الأعمال، وربط التعليم بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل.
التمكين الرقمي: إعداد الشباب للتعامل الواعي والمنتج مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع فهم أخلاقيات الاستخدام وأمن المعلومات.
التمكين المدني والمجتمعي: إتاحة الفرصة للمشاركة في المبادرات التنموية وصناعة القرارات التي تؤثر في حياتهم ومجتمعاتهم.
فالتمكين الحقيقي لا يقتصر على إعداد الشباب للحياة، بل يساعدهم على المشاركة في تشكيلها.
• الفرق بين رعاية الشباب وتمكينهم
هناك فارق جوهري بين أن نقدم للشباب خدمات، وأن نبني لديهم القدرة على صناعة التغيير.
الرعاية توفر الدعم، وهي ضرورية، لكن التمكين يتجاوزها إلى منح الشباب الأدوات والفرص والمساحة التي تسمح لهم بالتحرك باستقلالية ومسؤولية.
قد تنظم جهة ما دورة تدريبية للشباب، فتحقق استفادة معرفية مؤقتة. لكن التمكين يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى ممارسة، ويُمنح المتدرب فرصة لتطبيق ما تعلمه، ويجد من يرشده، ثم يُقيَّم أداؤه وفق نتائج واضحة.
وقد تدعو مؤسسة مجموعة من الشباب إلى حضور اجتماع، لكن ذلك لا يعني أنهم أصبحوا شركاء في اتخاذ القرار. تتحقق المشاركة الحقيقية عندما تُسمع آراؤهم، وتُناقش مقترحاتهم بجدية، وتُتاح لهم فرصة التأثير في القرارات.
ليس كل حضور مشاركة، وليس كل تدريب تمكينًا، وليس كل لقب قيادي دليلًا على امتلاك أدوات القيادة.
إن المعيار الحقيقي هو ما تغيّر في قدرات الشباب، وما أصبحوا قادرين على إنجازه، ومدى تأثيرهم الفعلي في محيطهم.
• من التمكين الفردي إلى التمكين المجتمعي
لا ينبغي أن يتوقف تمكين الشباب عند تطوير الفرد لنفسه وتحقيق نجاحه الشخصي، بل يجب أن يمتد إلى بناء قدرته على الإسهام في تقدم مجتمعه.
فالشاب المتمكن لا يسأل فقط: كيف أحصل على فرصة عمل؟ بل يفكر أيضًا: كيف أطور مهاراتي لأقدم قيمة حقيقية؟ وكيف أستطيع تحويل مشكلة في مجتمعي إلى مشروع أو مبادرة قابلة للتنفيذ؟
وهنا تظهر أهمية العمل الجماعي، والمبادرات التطوعية، والمشروعات المجتمعية، وحاضنات الابتكار، وبرامج القيادة التطبيقية.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال إتاحة الفرصة للشباب لتصميم مبادراتهم بأنفسهم، وتحديد احتياجات مجتمعاتهم، ووضع خطط واقعية، وإدارة الموارد، وقياس النتائج، ثم تطوير تجاربهم بناءً على ما تعلموه.
بهذه الطريقة، يصبح الشباب جزءًا من الحل، لا مجرد فئة تنتظر حلولًا من الآخرين.
• مسؤولية المؤسسات في تمكين الشباب
تمكين الشباب ليس مسؤولية الشباب وحدهم، ولا يمكن تحقيقه بمجرد مطالبتهم بالمبادرة والاجتهاد، بينما تظل الفرص محدودة، وقنوات المشاركة مغلقة، ومعايير الاختيار غير واضحة.
إنه مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والتدريبية، والجهات الحكومية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الإعلامية، والأسر.
وتتمثل أبرز متطلبات التمكين المؤسسي في:
تطوير برامج تعليم وتدريب مرتبطة باحتياجات الواقع.
توفير فرص عادلة لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات، بعيدًا عن المحاباة والإقصاء.
إشراك الشباب في التخطيط وصناعة القرار، وليس الاكتفاء بدعوتهم إلى الفعاليات.
إتاحة فرص حقيقية للتطبيق العملي وتحمل المسؤولية.
توفير الإرشاد المهني والتوجيه من أصحاب الخبرة.
دعم المبادرات والمشروعات الشبابية بآليات تمويل واحتضان مناسبة.
قياس أثر البرامج من خلال النتائج الفعلية، وليس عدد المشاركين أو الشهادات الممنوحة فقط.
فالمؤسسة التي تتحدث عن تمكين الشباب، ثم تخشى منحهم مساحة للتجربة واتخاذ القرار، لم تنتقل بعد من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الممارسة.
•تمكين الشباب في عصر التحولات الرقمية
في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، لم يعد تمكين الشباب مجرد إعدادهم لوظائف المستقبل، بل أصبح إعدادهم لفهم المستقبل والمشاركة في صنعه.
فالذكاء الاصطناعي يغير طبيعة المهن، والاقتصاد الرقمي يفتح مسارات جديدة للعمل والإنتاج، بينما تفرض التحديات المعلوماتية والأمن السيبراني مسؤوليات إضافية على الأفراد والمؤسسات.
ومن هنا، ينبغي أن تتجه برامج التمكين إلى تنمية القدرة على التعلم المستمر، والتكيف مع التغيير، واستخدام التكنولوجيا في حل المشكلات، وتحويل الأفكار إلى مشروعات ذات قيمة اقتصادية واجتماعية.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال التمكين في المهارات الرقمية وحدها؛ فالتكنولوجيا دون وعي أخلاقي، أو تفكير نقدي، أو مسؤولية اجتماعية، قد تزيد من الفجوات بدلًا من تقليصها.
إن الشباب يحتاجون إلى الجمع بين الكفاءة التقنية والوعي الإنساني، وبين الطموح الشخصي والإحساس بالمسؤولية المجتمعية.
• كيف نقيس نجاح تمكين الشباب؟
لا يُقاس نجاح برامج التمكين بعدد الدورات التدريبية التي نُفذت، أو عدد الشهادات التي وُزعت، أو الصور التي نُشرت عن الفعاليات.
هذه مؤشرات للنشاط، لكنها لا تكفي لإثبات الأثر.
القياس الحقيقي يبدأ بطرح أسئلة أكثر عمقًا:
هل اكتسب الشباب مهارات يستطيعون تطبيقها؟
هل تحسنت فرصهم في العمل أو إطلاق مشروعاتهم؟
هل أصبحوا أكثر قدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية؟
هل شاركوا بالفعل في تصميم المبادرات والقرارات؟
هل تحولت أفكارهم إلى مشروعات أو حلول قابلة للاستمرار؟
هل وصلت فرص التمكين إلى الشباب الأقل حظًا في الحصول على الموارد والفرص؟
عندما نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة بأدلة واضحة، نكون قد اقتربنا من التمكين بوصفه عملية تنموية قابلة للتقييم والتطوير، لا مجرد عنوان جذاب.
الشباب ليسوا مستقبلًا مؤجلًا
من الأخطاء الشائعة أن نتعامل مع الشباب باعتبارهم مستقبل المجتمع فقط، وكأن دورهم الحقيقي يبدأ بعد سنوات، عندما يصبحون أكثر خبرة أو يحصلون على مناصب أعلى.
والحقيقة أن الشباب جزء من الحاضر، يمتلكون طاقات وأفكارًا وقدرات يمكن توظيفها الآن، مع توفير التوجيه والدعم والفرص المناسبة.
إن تمكين الشباب لا يعني أن نمنحهم كل الإجابات، بل أن نساعدهم على امتلاك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والبحث عن الحلول، واتخاذ القرارات، وتحمل المسؤولية.
ولا يعني أن نصنع قادة يشبهون من سبقوهم، بل أن نهيئ بيئة تسمح بظهور جيل يمتلك أدواته الخاصة، ويحترم المعرفة، ويؤمن بالعمل، ويتعامل مع الاختلاف بوعي، ويستطيع تحويل التحديات إلى فرص للتعلم والتطوير.
إن الاستثمار الحقيقي في الشباب ليس إنفاقًا على فئة عمرية، بل استثمار في قدرة المجتمع على التجدد والاستمرار.
فحين نمنح الشباب المعرفة دون فرصة للتطبيق، نهدر جزءًا من قيمة المعرفة. وحين نمنحهم المسؤولية دون إعداد، نحمّلهم ما قد لا يكونون مستعدين له. أما حين نجمع بين التأهيل والثقة والفرصة والمساءلة، فإننا نبني تمكينًا حقيقيًا قادرًا على صناعة أثر مستدام.
تمكين الشباب ليس أن نفتح لهم الباب فحسب، بل أن نهيئهم لعبوره، ونمنحهم مساحة للتحرك بعده، ثم نثق في قدرتهم على بناء أبواب جديدة لمن يأتي بعدهم.
المستشارة إسراء أسامة الطماوي
المدير التنفيذي لمركز التدريب والبحوث والدراسات الاستراتيجية بالشبكة العربية للتنمية المستدامة
استشاري إدارة المنشآت التعليمية والتدريبية، ومستشار تنمية مستدامة وتمكين الكوادر الشبابية والنسائية، متخصصة في بناء القدرات القيادية والتطوير المهني، وتصميم البرامج التدريبية والتنموية التي تسهم في إعداد قيادات واعية وقادرة على الابتكار، وتحمل المسؤولية، وصناعة التغيير الإيجابي، بما يدعم التنمية المستدامة ويعزز مشاركة الشباب والمرأة في بناء المستقبل.




