بقلم المستشارة إسراء اسامه الطماوي
من أمجاد الخبرة السابقة إلى الميزة التنافسية المستدامة
متى تصبح الخبرة التاريخية عائقًا أمام التطور المهني؟
هناك ظاهرة تستحق الدراسة في سوق التدريب والاستشارات، وهي أن بعض المهنيين يظلون لسنوات طويلة يقدمون أنفسهم من خلال إنجاز تاريخي واحد، أو علاقة مهنية سابقة، أو انتماء إلى مدرسة تدريبية صنعت شهرتهم في مرحلة زمنية معينة.
المشكلة ليست في الاعتزاز بالتاريخ المهني، وإنما في أن يتحول التاريخ إلى بديل عن التطور.
الخبرة التاريخية ليست ميزة تنافسية دائمة
أن تكون قد عملت مع شخصية مؤثرة، أو شاركت في تأسيس تجربة ناجحة، أو تلقيت تدريبك على يد خبير بارز، كل ذلك يمثل قيمة في سيرتك المهنية.
لكن هذه القيمة تحتاج إلى ترجمة معاصرة.
فالسؤال ليس فقط: مع من عملت؟
بل
ماذا تعلمت من هذه التجربة؟
كيف طورت ما تعلمته؟
ما الذي أضفته إلى المدرسة التي انطلقت منها؟
ما المنهجية التي أصبحت تمتلكها؟
ما النتائج التي تستطيع إثباتها اليوم؟
فمتى متى تتحول الخبرة إلى عائق؟
هناك خمس علامات تستحق الانتباه:
الاعتماد المتكرر على الألقاب والعلاقات المهنية القديمة لإثبات الكفاءة الحالية.
تكرار المحتوى التدريبي نفسه رغم تغير احتياجات المتعلمين وسوق العمل.
غياب البحث والتطوير والتحديث العلمي.
عدم امتلاك منهجية أو نموذج عمل خاص.
قياس النجاح بعدد المحاضرات والشهادات والمتدربين، دون قياس الأثر الفعلي.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة سنوات الخبرة ليست بالضرورة سنوات من التطور؛ فقد تكون سنوات من تكرار التجربة نفسها.
فننتقل لنقطة هامة لكل من يبني نفسه في مجال التدريب
كيف تُبنى الميزة التنافسية المستدامة؟
بناء ميزتك التنافسية يقوم على ستة محاور:
•التحديث المعرفي
مواكبة الأبحاث والمدارس العلمية الحديثة.
•التطور المنهجي
تطوير أدوات وأساليب العمل والتدريب.
•الابتكار
إنتاج أفكار ونماذج وحلول جديدة.
•قياس الأثر
إثبات النتائج بدلًا من الاكتفاء بسرد الأنشطة.
•التكيف التقني
توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في تطوير القيمة المقدمة.
•الهوية المستقلة
بناء مدرسة مهنية خاصة بدلًا من البقاء تحت ظلال مدرسة الآخرين.
السؤال الأصعب في عالم التدريب والاستشارات
هل يكفي أن تكون مدربًا جيدًا لأنك تدربت على يد مدرب عظيم؟
بالطبع لا.
فالتدريب مهنة تتطلب تجددًا معرفيًا، وفهمًا للتحولات المجتمعية والاقتصادية والتكنولوجية، وقدرة على تحويل المعرفة إلى نتائج.
والمحاضر الذي كان متميزًا قبل عشرين عامًا ليس بالضرورة متميزًا اليوم، ما لم يستمر في تطوير أدواته.
اطرح على نفسك دوما هذه الأسئلة
ما آخر معرفة جديدة أضفتها إلى تخصصك؟
ما آخر منهجية طورتها أو ابتكرتها؟
ما المشكلة المهنية التي أصبحت قادرًا على حلها اليوم ولم تكن قادرًا على حلها قبل خمس سنوات؟
ما الدليل على أن خدماتك تحقق أثرًا حقيقيًا؟
إذا حذفنا أسماء الشخصيات والمؤسسات التي عملت معها من سيرتك الذاتية، فما القيمة المستقلة التي ستظل تقدمها؟
السؤال الأخير تحديدًا اختبار مهم لاستقلال الهوية المهنية.
الخلاصة
التاريخ المهني يمنحك المصداقية الأولية، لكن التطور المستمر هو الذي يحافظ على قيمتك التنافسية.
ليس المطلوب أن تتنكر لماضيك، بل أن تثبت أنك لم تتوقف عنده.
ولكن لا تجعل اسم الشخص الذي تعلمت منه أكبر من اسم المدرسة التي استطعت بناءها بنفسك، ولا تجعل إنجازات الأمس تحجب عنك مسؤولية صناعة إنجازات الغد.
بقلم المستشارة إسراء اسامه الطماوي
المدير التنفيذي لمركز التدريب والبحوث والدراسات الاستراتيجية بالشبكة العربية للتنمية المستدامة
استشاري تطوير القدرات القيادية والتنمية المستدامة، والتطوير المهني، وإدارة المنشآت التعليمية والتدريبية، وتمكين الكوادر الشبابية والنسائية.
متخصصة في بناء القدرات المؤسسية، وتطوير الكفاءات المهنية، وتصميم البرامج التدريبية والتنموية، مع اهتمام بتوظيف التحولات المعرفية والتكنولوجية في تطوير الأداء وتحقيق الأثر المستدام.
زر الذهاب إلى الأعلى