تاريخ الفطاير التونسية مع شاف عمر
الحلقة الثانية من التعريف بموروثنا
يبدو أن صنعة الفطاير تمكنت تدريجيا منذ أواخر القرن التاسع عشر من أن تنتزع لها مكانة في صلب الحياة الاقتصادية بالعاصمة كغيرها من الصناعات الأخرى وتنتظم داخليا و هيكليا ضمن مؤسسة ” أمين الفطارية” . فقد أكّدت أقدم الوثائق التي عثرنا عليها حول هذا الموضوع وهي حجة اتفاق على تعيين أمين للفطايرية مؤرخة في سنة 1896، أنه كان لهذه الحرفة أمين قار قبل هذا التاريخ .يقول نصّ الوثيقة :” حضر الأجلاء (… قائمة مطولة لأسماء المتفقين) كلّهم معلّمين في صناعة الفطاير بالحاضرة وأشهدوا جميعا أنهم اتفقوا على كلمة واحدة و رأي واحد و قدّموا الأجل الأمثل الشيخ علي بن محمد اللولو ليكون عليهم أمينا يرجعون إليه في عرف صناعتهم المذكورة عوضا عمن قبلهو أنهم راضون عمن يقفون عند نظره في قانون الصنعة المذكورة حضورا و اتفاقا و رضاءا و إشهادا تامين …شهد عليهم بذلك حال جواز و معرفة بتاريخ يوم الجمعة 21شوال 1313 هجرية و 12 أفريل 1896 الإفرنجية” .
قد أكّد لي أحد الفطايرية بأن برودة المناخ في فصل الشتاء بهذه المناطق يجعل من السكان كثيري الإقبال على استهلاك الفطاير الساخنة في الصباح و الحلويات بأنواعها . و هو ما يفسّر ربّما عدم إقبال الفطايري على الانتصاب بالمدن الداخلية و الساحلية للبلاد
.فلم يكن مثلا الفطايرية بصفاقس من أصيلي غمراسن بل أن الفطايري ينعت ” بالسّفناج” وتختلف فطيرته في شكلها و تقنية صنعها عن فطيرة الغمراسني وتأسيسا على ما تقدّم بإمكاننا التأكيد بأن هذه الصنعة تركزت مجاليا بالعاصمة و المناطق القريبة منها ثم توسعت تدريجيا نحو المناطق الشمالية الغربية للبلاد المتاخمة للحدود الجزائرية و من هذه البوابة استطاع الغمراسني النّزاع إلى الهجرة اكتشاف أسواق جديدة وهي السوق الجزائرية منذ حوالي مطلع العشرينات و السّوق الفرنسية منذ أواخر الأربعينات من القرن العشرين فقد ذكر تقرير أعده ضابط فرنسي سنة 1947 أن “الفطايري هو الغمراسني الذي احتكر هذه الصنعة بالبلاد التونسية و انتقل بها إلى كل مدن شمال الجزائر إلى حدود وهران بل مرّ بعض الفطايرية حتى إلى المغرب و أخيرا انتصب اثنان منهم بمرسيليا ” . لذلك فإننا لن نبالغ إذا وصفنا هذه الصنعة “بالصنعة المهاجرة”.
إن “صناعة الفطائر شكل من أشكال الأصالة في غمراسن وان شعار الدورة “السنوية للفطاير بغمراسن الأحفاد يحتفلون بصنعة الأجداد ” يعكس مدى فخر أبناء غمراسن بهذه الحرفة التي تخرج بفضلها أعلام كبار عبر التاريخ في شتى العلوم والمجالات. وسجلت قصص نجاح مهمة”.
وثمن المسؤولون سنويا التجاوب والمشاركة المكثفة لأبناء غمراسن في إنجاح المهرجان الذي يكون بصفة دورية خلال عطلة الشتاء من كل سنة تجتمع فيه الأسر في الداخل ومن الخارج وتتجدد فيه العزائم من أجل ان تصبح بلدة غمراسن بلدة سياحية كما سيكون مناسبة سنوية لعرض ابداعات الشباب والتكوين في صناعة الفطائر التي كانت ولاتزال فطور الصباح المفضل عند الجميع بالمنطقة.
ونذكر بالأدوار النضالية التي تقمصها أصحاب هذه الحرفة طيلة فترة الاستعمار في تبليغ رسائل وتوصيات القياديين في الحضر الى المجاهدين في الأرياف والجبال كما كان لابناء غمراسن مساهمات عديدة ومهمة في الاستثمار وخلق مواطن الشغل بمشاريعهم الاقتصادية الكبرى وحوانيتهم التي اتسعت وتطورت على مر الزمن في المدن والقرى اخيرا الفطاير التونسية هي موروث حضاري موثق من قرون و كانت مدينة غمراسن الموطن الاصلي لها و كانت سببا في نشرها في الدول المجاورة شكرا لاهل الجنوب و شكرا لاهل غمراسن اللذين كانوا سببا في نشر موروثنا الغذائي
زر الذهاب إلى الأعلى