المطبخ التونسي… وراء كل طبق حكاية مع شاف عمر
الحلقة الأولى
مرويات شعبية حول “النواصر” والمدفونة” و”كعك الورقة” بينما ارتبطت “عين السبنيورية” بجمال الإسبانيات و”المخبأ السري” و الكسكسي التونسي الذي اقترن مع زحف بني هلال و اللبلابي
الأطباق التونسية خلاصة مزيج ثقافات وتلاقٍ بين الأديان والحضارات المختلفة
المطبخ التونسي ليس مجرد مجموعة كبيرة من الأطباق المتنوعة، وإنما هو خلاصة مزيج ثقافات وتلاقٍ بين الأديان والحضارات المختلفة، وكذلك الأعراق من أمازيغ وعرب وعثمانيين، فضلاً عن أندلسيين وأوروبيين من إيطاليين وفرنسيين، ولهذا جمع هذا المطبخ أطباقاً عدة غريبة أحياناً لغير التونسيين تُحاك قصص وراء هذه الأكلات، منها للتغزل بجمال عيون الإسبانيات اللاتي عشن في تونس، أو كعك ابتدع كمخبأ سري أو عصيدة اخترعت في زمن المجاعة.
النواصر وعملة الناصري
ومن بين أشهر الأطباق في الشمال التونسي “النواصر”، ويعتقد بعضهم أن اسمه أتى من شكل عملة الناصري التي كانت تساوي واحداً من 25 جزءاً من الريال التونسي الذي سك في 1885 وكان مربّعاً ونحاسياً.
وطبق النواصر في الأصل عجينة تتشكل من سميد رقيق أو دقيق وماء وملح، وتعجن المكونات حتى تصبح العجينة متماسكة، وتترك في مكان بارد نصف ساعة ثم تقسم إلى أجزاء بحجم البرتقالة، ويرقق كل جزء على طاولة وتقص الورقة مربعات وتجفف في مكان متجدد الهواء أو تحت الشمس وتحفظ حتى الاستعمال، وتعدّ النواصر على المقفول والكسكاس، وهو حلّة البخار، ويطبخ طبق النواصر عادة بلحم الخروف أو بالدجاج.
ومن أبرز أطباق المطبخ التونسي الضاربة في القدم، نجد أيضاً “المدفونة” التقليدية والشهيرة، وهي أكلة تونسية من اختصاص أهالي العاصمة التونسية وموروثة عن يهود إيطاليا، إذ كانت تؤكل السبت بعد أن يتم طبخها الجمعة.
وبالعودة لأصل تسميتها، فإن المدفونة أكلة يهودية تصنع ليل الجمعة وتدفن في مجمار وتقدم السبت بسبب الطقوس الدينية المتعلقة بهذا اليوم الذي لا يشعل فيه اليهود النار، وانتقلت الطبخة من اليهود إلى التونسيين فأصبحت من الأطباق التي لا تفارق طاولة التونسيين، خصوصاً في فصل الشتاء البارد.
وتتكون الأكلة أساساً من السبانخ أو السلق وكرات لحم البقر أو الكوارع، فيتم قلي السبانخ في الزيت حتى حرقها مع البصل مع التحريك المستمر، ثم تضاف إليها توابل وتشكل كرات من اللحم المفروم والنعناع والكوارع والبهارات، ثم تتم إضافة الماء وتترك على النار حتى الغليان، بعدها تضاف إليها الفاصولياء الجافة والطماطم والفلفل الأحمر المجفف مع الزيت والثوم والملح والتوابل.
عين السبنيورية
عند تدفق الموريسكيين على الأراضي التونسية، عقب حملة التهجير التي قادها ضدهم الملك فيليب الثالث عام 1609 استقبلت تونس ما يقارب 80 ألف موريسكي، ويذكر المؤرخ ابن أبي دينار في مؤنسه “كتاب أخبار أفريقية وتونس”، “وفي هذه السنة والتي تليها جاءت الأندلس من بلاد النصارى، نفاهم صاحب إسبانيا وكانوا خلقاً كثيراً
وعرفت الموريسكيات بشدة حسنهن وجمال عيونهن خصوصاً، وكنوع من الترحيب بهن، ابتدع التونسيون طبقاً للترحيب بهم وأطلقوا عليه اسم “عين السبنيورية” أي عين الإسبانية، انبهاراً بجمال العيون الأندلسية التي حلّت بينهم، واشتهر الطبق كأشهى الأكلات التونسية وأفخرها التي تقدم في الأفراح والمناسبات، وهو عبارة عن لحم مفروم بشكل إسطواني محشو بالبيض المسلوق ويزين بالفستق وعند قصه إلى دائرات يكون البيض في وسط الدائرة عبارة عن عين.
ومن أهم الحلويات التي توضع على مائدة عيد الفطر في تونس وهو عبارة عن أشكال دائرية بيضاء ناعمة تبرع في إعدادها نساء زغوان، إحدى المحافظات التونسية التي لا تبعد كثيراً من العاصمة.
وإذا كانت بعض الحلويات التونسية تنسب إلى الأتراك مثل البقلاوة، فإن كعك الورقة يحمل جذوراً مختلفة فهو آتٍ من الأندلس وله قصة تروى وتتناقلها الأجيال عبر الأزمان.
وبحسب رواية شعبية، عندما سقطت الأندلس وفر المسلمون هرباً من بطش الإسبان الذين نكلوا بهم، توافدوا في هجرات متعددة إلى بلدان المغرب العربي واستقر كثير منهم في تونس في مناطق عدة مثل زغوان وتستور وقلعة الأندلس وقرمبالية، وكذلك رأس الجبل ورفراف وسليمان وغيرها من المدن التونسية، وحمل الأندلسيون معهم تراثهم الثقافي والحضاري.
المخبأ السري
فعلى مستوى المطبخ حملوا معهم أكلات لذيذة مثل كعك الورقة الذي كانت له وظيفة مهمة أثناء الهجرة الأندلسية إلى تونس، واعتمدته النساء الأندلسيات بمثابة المخبأ السري الذي وضعت فيه المجوهرات الثمينة والمال وبعض الوثائق بدل اللوز خوفاً من بطش الإسبان الذين سلبوا المسلمين أموالهم.
ويتكون كعك الورقة من الطحين واللوز والزبدة والسكر ويتم تعطير هذه المكونات بماء النسري أو النسرين وهي الزهرة التي جيء بها من الأندلس لتعبق في تونس وتذكر الأندلسيين بجنتهم الضائعة، وهي ما زالت تنبت إلى اليوم في زغوان ويحتفي بها الأهالي في عيد النسري سنوياً، مما جعل لهذه الحلويات اللذيذة نكهة خاصة، أما في بقية المدن التونسية فيعوض ماء الورد قطرات زهر النسرين.
ومن الأطباق الأخرى، هناك أيضاً “عصيدة الزقوقو” التي يعدها التونسيون لمناسبة المولد النبوي الشريف، وبحسب ما قاله مؤرخون إن ابتداع الأكلة وهي من الحلويات يعود لفترة صعبة في تونس، تحديداً عام 1864 خلال ثورة علي بن غذاهم ضد نظام البايات، بسبب الفقر المنتشر والمجاعة التي ضربت تونس في تلك الفترة، مما اضطر العائلات التونسية إلى إعداد هذه العصيدة لتعويض غياب الحبوب وتلف المحصول السنوي.
ما قد لا يعرفه البعض عن الكسكسي أنه طبق أمازيغي ضارب في التاريخ إذ ظهر في بلاد المغرب العربي ما بين القرن 11 و13 أي في الفترة التي استولت فيها قبائل بني هلال والقبائل العربية المندرجة فيها على شمال افريقيا. و قد استوطنو في مدينة قصر هلال من ولاية المنستير و مدينة بني خيار من ولاية نابل ثم الى الزاوية من دولة ليبيا ثم الى المدن الجزائرية و المغربية
ويصنع من طحين القمح أو الذرة في شكل حبيبات صغيرة، ويتناول بالملاعق أو باليد. يطبخ بالبخار ويضاف إليه اللحم، أو الخضار، أو الفول الأخضر المفور، أو الحليب، أو الزبدة والسكر الناعم حسبالأذواق والمناسبات
و يأتي العصبان مع وجبة الكسكسي التي شهر بها المطبخ التونسي
الكسكسي بالعصبان
يتكون العصبان أساسا من الزوايد وهو كل ما وجد في جوف الكبش كالرئتين والكبد والأمعاء، التي تنظف وتقص قطعا صغيرة، وتضاف إليها الخضروات ومختلف التوابل والبهارات. ويتم خلط كل هذه المكونات وتوضع في قطع من « كرش » الخروف بعد تنظيفها بدقة
فلاشك أن العصبان يتطلب حذقا كبيرا، إذ يقول الباحث في التراث التونسي عبد الستار عمامو أن العصبان الذي ورد ذكره في مراجع التاريخ في القرن الثالث عشر ميلادي يبقى من أكثر الأكلات التي تظهر براعة المرأة التونسية
وبالرغم من دسامة هذه الأكلات التونسية الأصيلة إلا أنها تتميز بخصائصها الصحية وتوازنها لاحتوائها على مختلف العناصر الغذائية وخاصة اللحوم والخضر كسكسي واللبلابي : ثراء وتميز وهوية تونسية
الكسكسي واللبلابي : ثراء وتميز وهوية تونسية
تزخر البلاد التونسية بتراث غذائي متنوع، وهذا ما يؤكد ثراء مخزوننا الغذائي الأصيل ويعمق تمسّكنا بعاداتنا و تقاليدنا وانفتاحنا على الحضارات السابقة وتراثها الغذائي
منذ الحضارة الأمازيغية البربرية إلى الفتوحات الإسلامية إلى الدولة العثمانية إلى عهد الحماية إلى يومنا هذا والشعوب تتوارث جيلا بعد جيل العادات الغذائية النابعة من عدّة جهات في البلاد التونسية
الكسكسي مثلا الذي دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية في تظاهرة أقيمت في توزر جنوب البلاد في السنوات القليلة الماضية، واعتُبر من أشهر الأكلات الشعبية التونسية نظرا لوجوده في كافة أرجاء البلاد إلاّ أن الاختلاف بسيط ويكمن في مكوناته وكيفية طهيه. فنجد الكسكسي بالعصبان كما نجد الكسكسي بالببوش إختصاص مدينة الحمامات وهو متكوّن من كسكسي وقدّيد وببّوش. أمّا كسكسي المهدية لرأس السنة الهجرية فيتكوّن من كسكسي وقدّيد وفول جاف وحمص وكركم وزبيب وبيض مسلوق
لاننسى أيضا اللبلابي أشهر أكلة شعبية تونسية في المطبخ التونسي وتكمن بساطه في الأساس لمكوناته التي توجد في كل بيت تونسي ولسهولة إعداده
أغلب الناس يلجئون إلى اللبلابي في فصل الشتاء لأنه الوجبة السريعة القاهرة للبرد فلذته تكمن في حرارته
واللبلابي هو عبارة عن أكلة ذات أصل تركي إلا أنها أصبحت في وقت وجيز إحدى الأكلات التونسية المغذية والسهلة الاستهلاك والتأثير على المعدة.. وهي تعتمد على الخبز والحمص وبعض البهارات والبيض وزيت الزيتون، وهي بذلك قد تكون إحدى الوجبات الغذائية الصحية المتكاملة
ويختلف الإقبال على اللبلابي حسب الأذواق، فالبعض يفضله ممتلئا بالبهارات والفلفل الأحمر والهريسة فتكون حادة المذاق، والبعض الآخر يفضل أن تحتوي على المواد المغذية فحسب على غرار البيض وزيت
دمتم بخير
زر الذهاب إلى الأعلى