نصف المجتمع خارج المعادلة… والتنمية تدفع الثمن
بقلم …المستشارة إسراء أسامة الطماوي
استشاري التنمية المستدامة وإدارة المنشآت التعليمية
وإعداد الكوادر القيادية
أمينة المرأة، وإحدى رائدات العمل المجتمعي والتوعوي
بجمهورية مصر العربية
المرأة خارج سوق العمل: قرار اجتماعي أم أزمة تنموية؟
المرأة في التنمية المستدامة ليست شعارًا ناعمًا ولا إضافة تجميلية للسياسات؛ هي محرك أساسي لأي تنمية حقيقية قابلة للاستمرار.
لم يعد السؤال: هل المرأة قادرة؟
فهذا سؤال تجاوزه الواقع.
السؤال الحقيقي اليوم هو:
لماذا ما زال دور المرأة مُعطَّلًا رغم كل هذا الحديث عن التمكين والتنمية المستدامة؟
نعيش عصر الشعارات الكبيرة،
حيث تُذكر المرأة في الخطط،
وتُعرض في الصور،
وتُستدعى في المؤتمرات…
لكن عند لحظة القرار، وعند توزيع الموارد، وعند قياس الأثر الحقيقي،
يختفي الدور… ويبقى الخطاب.
تعطيل دور المرأة ليس صدفة،
ولا نقص كفاءة،
بل نتيجة منظومة كاملة
تمنح الاعتراف وتمنع النفوذ،
وتشجع المشاركة وتخشى التأثير.
ومن هنا، يصبح من الضروري أن نسأل بوضوح:
ما الذي يعرقل دور المرأة فعلًا؟
لا من باب الجدل،
بل من باب الإصلاح الحقيقي.
ما الذي يعرقل دور المرأة في التنمية المستدامة؟
الحديث عن تمكين المرأة أصبح سهلًا…
لكن الممارسة هي المشكلة.
المرأة موجودة، متعلمة، راغبة في العمل والتأثير،
ومع ذلك ما زال دورها يُعطَّل عمدًا أو ضمنيًا.
أولًا: تمكين صوري بلا موارد
نرفع شعارات، نلتقط صورًا، ونعقد مؤتمرات…
لكن من دون:
ميزانيات حقيقية
أدوات تنفيذ
صلاحيات واضحة
النتيجة؟
تمكين على الورق فقط.
ثانيًا: فجوات تشريعية أو تطبيق ضعيف
القوانين قد تكون موجودة،
لكن:
لا تُفعل
أو تُطبّق بانتقائية
أو تُفرغ من مضمونها في الواقع العملي
ثالثًا: تحميل المرأة أدوارًا بلا سلطة
نطالبها بالإنجاز، القيادة، التغيير،
لكن:
بلا قرار
بلا نفوذ
بلا دعم مؤسسي
هذا ليس تمكينًا…
هذا استهلاك.
رابعًا: تدريب بلا ربط بسوق العمل
ورش، دورات، شهادات…
ثم ماذا؟
لا فرص حقيقية،
لا مسارات مهنية واضحة،
ولا ربط فعلي بالاقتصاد والإنتاج.
خامسًا: ثقافة مجتمعية تقاوم التغيير
ما زالت بعض العقليات:
تشكك في كفاءة المرأة
تحاصر طموحها
تقبل نجاحها بشروط
وهنا يصبح العائق ثقافيًا قبل أن يكون قانونيًا.
أي تنمية مستدامة تُقصي المرأة،أو تُشركها شكليًا، هي تنمية هشة… ومؤقتة.
المرأة لا تحتاج تعاطفًا،
تحتاج قرارًا، وتمويلًا، وصلاحيات، ومساءلة.
غير ذلك؟
نحن نكرر نفس الخطاب ..وننتظر نتائج مختلفة
ماذا لو استجابت الدول لدعوات إقصاء النساء عن العمل؟
ماذا لو قررت دولة ما، تحت أي ذريعة كانت،
إعادة النساء إلى عصور مضت،
وإقصاءهن عن سوق العمل والإنتاج؟
هل سيكون هذا قرارًا حكيمًا؟
أم مقامرة بمستقبل الدولة نفسها؟
لأن الواقع يقول إن إقصاء النساء عن العمل يعني:
انخفاض الناتج المحلي مباشرة.
توسع الاقتصاد غير الرسمي.
زيادة الفقر والاعتماد على الدولة.
تدهور مؤشرات التعليم والصحة.
ضرب أهداف التنمية المستدامة في مقتل.
بكلمة واحدة: انتحار تنموي بطيء.
ماذا عن الدول الجادة؟ الدول التي تفهم مصالحها
توسّع مشاركة النساء لا تقلّصها.
تربط التمكين بالإنتاج لا بالشعارات.
تحمي حق العمل بالقانون لا بالخطاب.
تعتبر المرأة رأس مال بشري لا عبئًا اجتماعيًا.
التنمية لا تعود إلى الخلف،
ومن يظن أن إقصاء المرأة يمكن أن يكون حلًا،
يخطئ في قراءة التاريخ والاقتصاد معًا.
الدول لا تُقاس بشعاراتها،
بل بقدرتها على استثمار كل طاقاتها البشرية دون استثناء.
والمرأة ليست عبئًا اجتماعيًا،
ولا ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله،
بل شريكًا أصيلًا في البناء والاستدامة.
كل خطوة تُبعد المرأة عن العمل والإنتاج،
هي خطوة تُبعد الدولة عن المستقبل.
أما الدول التي تفهم مصالحها جيدًا،
فهي لا تسأل: هل نُشرك المرأة؟
بل تسأل: كيف نُسرّع مشاركتها؟
لأن التنمية الحقيقية
إما أن تكون شاملة…
أو لا تكون.
استشاري التنمية المستدامة
إسراء اسامه الطماوي
زر الذهاب إلى الأعلى