الأدب والشعر

التصوير الاحترافي للإبداع

التصوير الاحترافي للإبداع

التصوير الاحترافي للإبداع

بقلم …محمد ابراهيم الشقيفي
لكل مبدع أدواته التي يجيد بها التعبير عن ذاته ، وحينما يصيغ المحترف صوراً كلامية ، يصدر من خلالها للمجتمع واقع حياتي ، أو فكر عبقري ،يكاد أن يفسر به مايحدث ، ينسخ من العقل بعض الحكم ، و ينسج فوق السطر نظم فيه امتزاج السعادة والألم ، إلا أن بعض المجريات ينقصها الأسلوب المحكم الذي يمتاز بسهولة الإقناع ، ويخرج من بين بنات أفكار اللغة فلسفة الفهم دون مبالغة .
إن العزف المنفرد لا يطرب أذن المستمع ، وإن كانت بعض العبارات تثير الفضول و شغف المنصت ، فإن لغة الحوار وحدها غير كافية للوصول إلى مرحلة الإقناع.
ولكي يبقي جهد العمل فترة فى ذاكرة الخلود ، ولا يمحى هذا الفعل المحمود من الوجود ، لابد من إظهار الرسائل ذات المخزى بأرق الصور ، وأبلغ الجمل الهادفة ، والبعد بالمشاهد عن تصوير المواقف بما لا يحتمل .
فإن التصوير الاحترافي للواقع يحتاج إلى قائد مخضرم ، يخرج خبيئة الإبداع المدفون من بين أضلع النفس الحائرة ، ومن هنا ترود العناصر فوق جبهة العمل ، ومن بين من ارتدوا عباءة الإخراج السينمائي وحملوا لواء تجييش العتاد الفكري ، ليحرك ماهو ساكن فوق الحرف ، وثابت على الورق ، المخرجة السينمائية المصرية التونسية الأستاذة جيهان اسماعيل ، صاحبة الرؤية الجادة ، دؤوبة البحث عن أفصل أداء لتكتمل الصورة فى وجدان المتابع دون ملل .
قد تكون الرؤية الفنية الأحادية ذو غشاوة ضبابية تحتاج إلى مشعل يضيء سماء الدرب المظلم فتتكشف الأوصاف الحقيقة كاملة تتخللها جوانب الحياة من غير تشتيت وحيرة .
العمل المكتوب باحترافية درامية عالية الفكر وعذوبة الأسلوب ، لابد له من هيمنة إشرافية دون احتكار للأسلوب ،أو مبالغة في نقد الأداء ، فما أروع أن يصل المخرج بعمله إلى محطة النهاية ، ومازالت لدى المشاهد رغبة الاستمرار والمتابعة، لوجود عنصرى التشويق والإثارة ، لا التسويق التجاري المحض دون محتوي فني ، ولقد نجحت المخرجة جيهان إسماعيل الحاصلة على إجازة في العلوم بجامعة محمد الخامس بالرباط (المغرب) المتخصصة في قسم الإخراج فى الاشتراك بنجاح فى إعادة صياغة أسلوب الطرح غير الساخر للرؤية الفنية دون خداع بصري للمشاهد .
آمنت (عضو لجنة التحكيم للافلام الطويلة بمهرجان القاهرة للسينما الفركوفية عام ٢٠٢٣) بأهم واجبات المخرج ، طبقت على أرض الواقع الأسلوب المغدق بالحب والعطاء الفني ، ليطفو فوق سطور العمل المكتوب ، التحفيز الضروري لطاقم العمل لتقديم أفضل الأداء دون الدخول فى دائرة صراع عواقبة غير حميدة .
حاولت المخرجة السينمائية (رئيسة لجنة الإعلام بالمنظمة العالمية للسلام والتنمية الدبلوماسية) أن تسقط على العمل المنفذ تقنيات عالمية ، تجيز عرضة دون تردد على الثقافات المختلفة ، وإن كان الفن الهادف هو نبتة صالحة فى كل مكان مهما اختلفت الأعراق ، إلا أن الرعاية تجعله أكثر نضجاً واستساغة وتذوق ، السيدة جيهان إسماعيل (عضو لجنة التحكيم بالمهرجان الوطني موبايل فيلم لمركز التكوين المهني تونس ٢٠٢٢) شاركت كثيراً ببصمة لا يستهان بها في إعادة ترميم الهيكلة للعمل السينمائي ، وكأنها تعيد النظر في الميدان الفني والبنيان الإبداعي ، لقد اجادة بأسلوبها السهل الممتنع ألا ينحرف الأسلوب البصري للمشروع عن مساره الصحيح.
الفنان المهذب حين يؤدي ويبدع ، هو من يعى قدر المايسترو الذي يقود سرب السلام المنظم ليخرج فى مأمن بليغ بعد إنتهاء العمل ، والقائد المحترف من يدفع كلا إلى دربه السليم دون تعالى أو تجريح ، ولقد نجحت عضو لجنة الثقافة الداعم بالاتحاد العام للمرأة الفلسطينية بالقاهرة ومنسق عام مهرجان العودة السينمائي الدولي الفلسطيني بتونس ، فى كيفية إتقان اللغة التي يفهمها الفنان وتقدير مدى قناعته بما يقدم ، احترمت طموح من يتقمص الشخصية ويجسد بحرفية ، خاصةً وأن بدايتها كانت ممثلة بالمسرح التونسي ابن رشيق عام ١٩٩٧ ، وبعد عقدين من الزمن أثبتت وهى على خشبة المسرح فى (مسرحية برة حبيبي للمركز الثقافي الدنماركي عام ٢٠١٧)أنها نواة الإبداع التي تستخرج منها أشكال للموهبة متعددة المذاق الفني ، إن مشاركتها البناءة فى أكثر من موضع جعلها تتقن فن التعامل والريادة قبل حسن الإدارة ، حصلت من شاركت في المهرجان النسوي بتونس المتعلق بالمرأة تحت عنوان (بعيونهن) عام ٢٠١٨ بفيلم فستان فرح ، على جائزة الإخراج أيضاً من مهرجان يوسف شاهين عام ٢٠٢٠ .
الشاشة الصغيرة والتى أجزم بأنها مرآة العالم فهى أقرب للعين من النظر في مرآة غرف النوم المغلقة ، وقد يكون الفنان المؤدي مبدعاً بالفطرة ، والكاتب للعمل السينمائي مفوها في إبراز الفكرة ، والسيناريست مكملاً لما بين السطور بجمل رنانة واحداث تزيد من سحر الشغف ، ولا تبطل سحر العمل ، وقد يملك المنتج الأدوات
التي تمكن الفريق من الاستمرار في المبارة ، والمصور الفذ يظهر بعدسته القيمة الجمالية والفنية ، لكن هناك من يضع بفكره اللمسة النهائية دون أن يشعر الجمهور بحالة من الاستنفار ، إنه المخرج من بيده تجتمع الخيوط الحريرية ، والمخرجة جيهان إسماعيل ، تمتاز بصفة دائمة ،بمحاولات جادة لإحداث تجانس معتدل بين أفراد العمل الواحد ، ليخرج بعد أن يكتمل إلى حيزاً من زوايا النور ، خاصةً وأنها خاضت تجارب فنية متنوعة ، فهي ممثلة في بادىء الأمر ، مما جعلها تشعر بما يدور فى خلد الفنان مرهف الإحساس ، وتقدم له ما يستحق من تقدير مناسب ، ومن أهم أعمالها الفيلم التسجيلي (امازيغ مصر ٢٠٢٠) وكأنها متنوعة الثقافات والحضارات مما يؤكد تأثرها القوي بالاعراف والفنون المغربية والعربية، كل هذا التنوع سبقة مزيج من النجاح ، لقد قدمت رئيسة انتقاء واختيار أفلام بمهرجان البوابة الرقمية للافلام القصيرة بدولة الجزائر عام ٢٠٢١، عدة برامج ذات نجاح نجومي ، ومنها على سبيل القاء القارئ نظرة تسرد عمق التجارب للمخرجة العالمية (برنامجها لمتنا الحلوة براديو ولادنا بفرنسا) .
 كما تنفسنا بالقول وصفا دقيقا ، وكانت السطور محللة بعضها البعض ، وكان فى التقديم استبعادا من كل ريب وشك ، فإن كاتب السيناريو والحوار ، هو النجم الذي يتوسط العمل ، وكانت للمخرجة جيهان إسماعيل، تجرية فى هذا الشق مما مكنها من الإلمام بقيمة الماس وزهور تطفو عليها وريقات الإحساس ، لقد حصدت بعد جهد على جائزة أفضل سيناريو (لفيلم فرحة) بمهرجان الدشيرة بالمغرب عام ٢٠٢٣ ، كل هذا ليس من قبيل الصدفة ، بل تجربتها جعلتها تقود من غير أرق بل شاركت فى مهرجان الإسكندرية للأفلام ، ومهرجان قرطاج السينمائية ، مخاطبة الواقع المجتمعي وإخراجه من عزلة العزوف عن المشاهد غير الجادة ، فطنت إلى أن المجتمع يحتاج إلى البعد عن سماع الألفاظ غير المبتذلة والحادة فى مخارج النطق ، تظهر هنا قيمة الفن الهادف والبناء ذات المواضيع العامة ،الذى يجاهد من أجل معالجة الفجوة بين الفكر ومنطق الحال .
الأمور تحتاج إلى تصويب للمفاهيم ووجود مايسترو عظيم يقود المشاهد إلى أن يحترم أسرة العمل التي أبدعت في الوصف الحسي لكل شىء.
إنها شخصية ثرية الفكر متنوعة الثقافات ، صاحبة القول الفلسفي الذي يحمل ألم شعب كامل وهي تتصدي بحكمة فنية لقضية سياسية ،بأسلوب سلس فى قول بليغ بأن (معاناة المرأة الفلسطينية مركبة) وبحاسة راقية تعلن أنها بصدد مشرع يتناول هذه التجربة المريرة.
لقد قدمت المخرجة السينمائية (ماستر كلاس بمهرجان الدشيرة الدولي بأكادير هذا العام ٢٠٢٥) وتناولت بحيادية الأدوات التي يملكها الممثل والمخرج وكأنها تراهم وجهان لعملة ذهبية متوازنة القيمة ، متكاملة فى التكاتف نحو تحقيق أهداف النجاح.
المخرجة جيهان إسماعيل ،ليست مجرد حقلة إتصال لعدم إضاعة الجهد المبذول في العمل الفني ، بل هى بالفعل صاحبة رؤية جادة وفكر متناغم ، ولها اراء حرة تحترم على الصعيد العالمي ، رأيها المتزن فى السينما العالمية كقولها الرنان عن السينما الروسية أن جوائزها تكسر حاجز الصمت النمطي فيما يتعلق ببعض التوجهات المفروضة فى الجوائز العالمية ، ووصفت السينما الروسية بالتفتح دون الانغلاق والتنوع الثقافي.
وإن كان الإخراج السينمائي فى حد ذاته عملية تشبه جراحة التجميل التي تحول بعض التشوهات إلى واقع محمود، وتقود بتوجيه مدروس فريق العمل إلى غاية الارتقاء المحسوس ، والقول الحق أنها نجحت فى تلك المهمة بجدارة التي ترضي النفس دون أن يتخلل الأداء الجماعي عوار صاخب ،يؤثر بالسلب فى الجوانب الفنية لرسالة الفن السامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى