سيدات مبدعات

الانحيازات المعرفية في القيادة وصناعة القرار

الانحيازات المعرفية في القيادة وصناعة القرار

الانحيازات المعرفية في القيادة وصناعة القرار

بقلم المستشارة إسراء اسامه الطماوي
استشاري التنمية المستدامة وبناء القدرات القيادية
خبير تمكين الكوادر الشبابية والنسائية
ومؤسس منصة قائدات الغد
الانحيازات المعرفية في القيادة وصناعة القرار
تأثير دانينج كروجر
عندما تتحول الثقة إلى عائق للقيادة
هناك لحظة فارقة في حياة كل قائد.
ليست لحظة حصوله على ترقية… ولا توليه منصبًا جديدًا… ولا حتى تحقيقه أول نجاح كبير.
بل اللحظة التي يبدأ فيها الاعتقاد أن خبرته أصبحت كافية، وأنه لم يعد بحاجة إلى التعلم أو المراجعة.
في هذه اللحظة تحديدًا، قد يبدأ أحد أخطر الانحيازات المعرفية تأثيرًا في القيادة: تأثير دانينج كروجر (Dunning-Kruger Effect).
في عام 1999، قدم العالمان David Dunning وJustin Kruger تفسيرًا علميًا لظاهرة بدت متكررة في الحياة العملية؛ إذ لاحظا أن بعض الأفراد ذوي الكفاءة المحدودة يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، ليس بدافع الغرور، وإنما لأن محدودية معرفتهم تحرمهم من إدراك حجم ما يجهلونه.
بعبارة أخرى…
إن المهارة التي تمكن الإنسان من أداء العمل بإتقان، هي نفسها المهارة التي تمكنه من تقييم أدائه بدقة.
ولهذا، فإن من يفتقر إلى المعرفة قد يفتقر أيضًا إلى القدرة على اكتشاف هذا النقص.
وهنا تبدأ المشكلة.
عندما يصبح اليقين أخطر من الجهل
القائد الذي يظن أنه يعرف كل شيء، لا يتوقف عن التعلم فحسب…
بل يتوقف أيضًا عن طرح الأسئلة.
يتعامل مع آرائه باعتبارها حقائق.
ويعتبر النقد اعتراضًا.
ويفسر الاختلاف على أنه تحدٍ لسلطته.
ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى غرفة مغلقة لا يدخلها إلا الرأي الذي يوافق رأيه.
ومن هنا، لا يصبح القرار الخاطئ نتيجة سوء النية…
بل نتيجة غياب المراجعة.
لماذا يمثل هذا التأثير خطرًا مضاعفًا على القادة؟
لأن القائد لا يتخذ قرارًا يؤثر في نفسه فقط.
بل قد يؤثر في:
مستقبل المؤسسة.
استقرار الفريق.
الموارد المالية.
السمعة المؤسسية.
ثقة العاملين.
ولهذا، فإن خطأً واحدًا ناتجًا عن تقدير غير واقعي للقدرات قد يمتد أثره إلى عشرات أو مئات الأشخاص.
كيف يظهر تأثير دانينج كروجر داخل المؤسسات؟
قد لا يصرح القائد بأنه يعرف كل شيء…
لكن سلوكه يكشف ذلك.
من أبرز المؤشرات:
رفض الاستماع إلى الرأي المخالف.
التقليل من خبرات المتخصصين.
اتخاذ قرارات مصيرية دون تحليل كافٍ.
المبالغة في الثقة مع ضعف الاستعداد للمخاطر.
تكرار الأخطاء دون مراجعة أسبابها.
تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاق.
هذه السلوكيات لا تعني بالضرورة ضعفًا في الذكاء…
بل قد تعكس خللًا في تقييم الذات.
كيف يحمي القائد نفسه؟
لا يكفي أن يكون القائد واسع المعرفة.
بل يجب أن يمتلك الشجاعة لمراجعة يقينه.
ومن الممارسات التي تساعد على ذلك:
البحث عن الرأي المخالف قبل اتخاذ القرار.
بناء فرق عمل تسمح بالنقد المهني.
مراجعة القرارات بناءً على الأدلة لا الانطباعات.
الفصل بين الثقة بالنفس والثقة في صحة القرار.
اعتبار التعلم المستمر جزءًا من المسؤولية القيادية.
ليس الخطر الحقيقي أن تخطئ…
فكل قائد يخطئ.
لكن الخطر أن تفقد القدرة على رؤية الخطأ.
وهذا ما يجعل تأثير دانينج كروجر أحد أخطر التحديات التي تواجه القيادة الحديثة؛ لأنه لا يهاجم المعرفة مباشرة، بل يهاجم الوعي بحدودها.
ولعل أول علامات النضج القيادي ليست أن تمتلك جميع الإجابات…
بل أن تعرف متى يجب أن تبحث عن سؤال جديد.
سؤال للنقاش
هل ترى أن المناصب القيادية تزيد من احتمالية الوقوع في تأثير دانينج كروجر، أم أن الخبرة كفيلة بالحد من هذا الانحياز؟ ولماذا؟
انتظروا المقال القادم….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى