قراءة ومراجعة أدبية
بقلم الكاتبة والشاعرة /حنان فاروق العجمي
قراءة في النص الأدبي “أما أنا”
للشاعرة/ فداء محمد
بقلم الكاتبة والشاعرة/ حنان فاروق العجمي
توصيف القصيدة تنتمي للقصيدة النثرية
تبدأ بالتعبير “أمَّا أنا”
مما يوحي بحديث دائر بين عدة أطراف أو طرفين، طرف يبوح بِما يَكمُن في خلجات نفسه، ويقوم بتشريحٍ عميق لروحِه كجَرَّاح مُتَمَرِّس يَعِي ما يفعل جيدًا،،،
“خارجة من رَحِم الكوابيس”
تُقر الشاعرة وتعترف أنها مولود جديد للرَحِم الأم الكوابيس في صورة رمزية حداثية فيها تجسيد لشيء معنوي، وهو الكوابيس وتَحَوُّلِهِ لمكان يحتضن، ويرعى الوليد القادم للحياة. وهي صورة تُعَبِّر عن الألم، والحزن العميق، فالرَّحم كناية عن الرحمة. والعناية، بينما الكوابيس هي مصدر الرُّعب، والإزعاج
لذلك هي استعارة مكنية وصورة مقصودة تنُم عن معاناة حَدثت، وما زال أثرها مُمتَدًّا،،
“مُلتَهِبَة بأشواق المَنْفى”
صورة بلاغية أشد حُزنًا من سابقَتِها، وأعمق معنى، تجعل القارئ حينما يستهل قراءته للنص يَشعُر أنَّهُ مُقْدِمٌ على عملية جراحية يخوضها مع جرَّاحٍ مُتَمَرِّسٍ يقول للجميع تعايشوا معي داخل تجربةٍ واقعية إمَّا حياة، أو موت،،
“مُلتَهِبة”،”رَحِم” تعبيرات لغوية طِبِّيَّة تُوَضِّح جُرحًا غائرًا تفاقم إلى حَد الخطر،،
الاستعارة المكنية شَبَّهَت الشاعرة نفسها بالمولود صاحب الحالة الحَرِجة الذي يتطلب الرعاية، والاحتضان لإصابتهِ بمرض التهاب الأشواق الذي هو شعور إنساني وجداني يُعَبِّر عن عاطفة الشاعرة التي فرضتها على النص من البداية،، ثم صَوَّرت أن المَنفى، وهو المكان الذي يُستبعَد فيه الأشخاص، ويتم ترحيلهم من حياتهم إلى مكان بعيد لا يَصلُح لهم بعيدًا عن مجتمعهم الذي اعتادوه،، صَوَّرته بإنسان يشتاق، ويَشعُر،،، الصورة مُرَكَّبَة تَخدُم المعنى
المولود ظلامي حالته سيئة،وماضيه سوداوي،ولكنك تشعُر أنَّهُ ليس بمولودٍ طبيعي، بل هو إنسان عاش حياة سابقة،ثمَّ مات، وتَمَّ زرعه مرة أخرى جَنِينًا في رَحِم، وبيئةٍ حالكة السَّواد، وكأنَّه المَيِّت الحَيْ الذي عاش حياة المَنْفى، ولَوَّعَهُ الاشتياق لمكانٍ. وحياة سابقة،
الفكرة المُسيطرة على النَّص هي القَهر، ورفض الواقع المُعاش، والعذاب،،
“مُشتَعِلة الأظافر بأصابع الديناميت”
الشاعرة تقوم بتكثيف الصور الجمالية مُتَعَمِّدة إدخال القارئ لشعورها الوجداني القاتم
أنت تقرأ الآن الحرب التي عاشتها،فالجسد الخارج من رَحِم الظلام، والكوابيس المُلتهِب بأشواقِه لِمَا مضى لم يرحمه واقعه من إشعال كَفَّيْه كأصابع الديناميت ليُكمل حربِه حتى يعيش، وكأنَّهُ يُدافع عن نفسِه، وحقِّه في الحياة، وإن اضطر للعنف، استخدام الشاعرة للفظ الأظافر والتي هي من المفروض أن تُعَبِّر عن الأنثى، ونعومتها، فبَدَلًا من عيْش أنوثتها تَخَلَّت عنها لتَتَلَبَّسَ بِدَوْرِ المُحارب،،
“مغسولة بالدَّمع كرسائل العُشَّاق”
هنا تتأرجح الشاعرة بين شعور الشجاعة، وارتداء زي المحارب. وأصابع الديناميت إلى شعور الضَّعف، وخيبة أمل العُشَّاق في عودة اجتماعهم. ولَمْ شملِهم، فلا حيلة لهم سوى البكاء، وكتابة الرسائل،،، وهنا الصورة الجمالية تصوير رسائل العُشَّاق بالإنسان الذي يبكي، ويذرف الدموع، والصورة مركَّبَة أيضًا، حيث تَتَابُع الأحداث، وتَسَلْسُلِها، فنجد حادث الخروج، والولادة، ثم المرض، وافتقاد الماضي، والشَّوق، ثُم خَوْض الحرب، يليه اليأس، والضَّعف، والإستعارة المكنية التي تُشَبِّه فيها الشاعرة نفسها بشيء يتم غسله بالدموع رغم أن الدموع نفسها إفراز جسدي لا إرادي في موقف الحزن، والألم،، الصور الجمالية متراكبة، ومُرهقة نَفسِيًّا للقارئ ليعيش رغم إرادته داخل مشاهد، ومأساة، وعاطفة الشاعرة الغالبة على النص،، استخدمت الشاعرة التضاد في المعنى “مغسولة”،”مشتعلة” يخدم النص ويُعَبِّر عن تضارُب المشاعر، والحرب النفسيَّة الحادة،
“مُزدَهِرَة بالحقد العادل”
الازدهار ينبع من النمو، والتَّقَدُّم، ويوحي بمعاني الفخر، ولكنه هنا اقترن بالحقد، الدهشة، والتناقُض الذي استخدمته الشاعرة في دهاء واضح لجذب القارئ بمهارة إلى فكرة النص أنها رغم الألم، والسوداوية إلَّا أنها لن تتنازل وتترك ميدان المعركة بسهولة كما يظن الطرف الآخر الذي تحاربُه، بل هي تعيش نشوة الانتصار بما يَعتَمر داخلها من الحقد، واستخدامها لوصف الحقد بالعادل هو تَشَفِّي في الطرف الآخر، وحق مُكَتسَب لها ومكافأة لما حدث معها، وتحقيق العدل بالأرض، ويتجلَّى أيضًا استخدامها للكلمة، ومضاد المعنى للتأكيد على الحالة الشعورية الوجدانية الذي تميَّز بها النص،
“أرتوي بدم الخناجر في معركة حب”
مازالت الشاعرة في حالة نشوى الانتصار، والارتواء، والانتقام، وكأنها تشرب من دم الخناجر التي تقوم بطعنها، وأخذ حقها بلا هوادة، وقد تحتمل الصورة البيانية معنى آخر، هو عدم الاعتراف بالهزيمة، والارتواء رغم الندوب التي خَلَّفتها معركة الحُب التي كانت تستحق من وجهة نظر الشاعرة كل هذا العناء، والحرب الطَّاحنة، والمواجهة الشَّرسة،
“وأناظر الكتاب في كهف مغرور”
كناية عن أن تجربتها تستحق التباهي، والغرور، رغم الجُرح، والألم، والرمزية التي تكتب بها الشاعرة دون التصريح، والغموض الذي يُحيط بالنص يجعلنا نكمل القراءة لنعلم، وماذا بعد؟ ما الذي حدث لها؟
الكهف المغرور صورة جمالية مُبتكرة جعلت فيها الكهف، وهو المكان الذي تتم فيه المناظرة كإنسان مغرور لا أحد يستطيع أن يغلب تَغَنِّيه بحاله، وكأنه يقول لا أحد يستطيع مبارزتي،
“ليتك تعي قدرة اللغة على استمصال المحبة الشافي”
انتقالة من الحالة الشعورية التي تصورها الشاعرة إلى الحديث عن قدرة اللغة في صُنع المصل الشافي للأمراض والآلام كالساحر الذي يبتكر الحِيَل، ويُبهر مُشاهديه،،
وهي صورة جمالية جديدة صورت اللغة كالعالم الذي يكتشف الأمصال الشافية،
كما تجد مصلًا جديدًا من خيال الشاعرة الحالم هو مصل المحبة الشافي. وهنا تشبيه الشيء المادي وهو المصل بشيء معنوي هو المحبة، وكأنها علاج ناجع لكل شيء،،
وأعتقد برأيي أنه استعراض قوة الشاعرة في استخدامها للألفاظ، وتراكب الاستعارات، والصور الجمالية التي تتحدى مَنْ يُفسِّرها،
تتابع الأفكار في شكل مُتقَن يُعَبِّر عن الوجود، والأنا لدى الشاعرة بشكل قوي، وكأنها تقول أنا هنا، وأتحدى أن يتواجد شخص عاش ما عِشتُه، أو خاض معركتي، فهي لي وحدي، وأنا صاحبتها،، ثم تتابع عطفًا على ما سبق بواو العطف “وانا أبحر في الأعماق المحتلة”
صورة جمالية تصور فيها وجدانها وروحها بأعماق البحر المُحتلة، وكأن أعماق نفسها، وطنٌ تَمَّ احتلاله بسلاح الحُب الذي لم تستطع مقاومته،، فكان سلاحًا ذو حدين مصل شاف، ومُعتدٍ في نفس الوقت سبَّب لها الحسرة، والألم، ولكنها استطاعت تناول جرعات اعتادت عليها من مصل الحُب الأبدي، وهنا يتضح التناقض الشديد، واختلال توازن النفس الإنسانية،والتأرجح بين الحقيقة، والوهم، العشق، والفراق، الحرب، والسلام،،
“أتلاطم مع الموج” “يتسلل الشوق إلى أضلعي”
“بين شهيق، وزفير”
“أعود إليك بكل جروحي الماضية”
أتلاطم مع الموج صورت الموج وكأنه إنسان تصارعه من أجل البقاء، ويتسلل الشوق إلى أضلعي صورت الشوق باللص الذي ينتهز الفرص للتَسَلُّل، وسرقة المشاعر من أضلعها،
بين شهيق، وزفير تصوير الشهيق، والزفير بالمسافة الزمنية التي يعبرها الشوق كإنسان يتحدى الزمن ليُعيد ذكريات الماضي، وبالنهاية في اعتراف واضح أنها عادت إلى الحبيب تصطحب معها كل الجروح، والخيبات الماضية، والحروب التي خاضتها مع النفس، ولكن مصل الحب استطاع شفاءها، وتَغَلَّب على الكبرياء، والغرور فيها،،
“قلبان قربانا للقدر”
نهاية توحي بالتَّعَجُب !!
تَحَوُّل النص عن مساره
بعد الاعتراف، والعودة
إنها الصدمة!!
نهاية القلبين قد تكون الفراق فَلَم تُوضِّح الشاعرة، وتركتها مفتوحة، وصرَّحَت بأن قلبيْ الحبيبين صارا قربانًا للقدر، وكأن القدر هنا هو الذي قال كلمته بالنهاية ولم تتحقق النهاية المرغوبة. أو أنها عودة، ومواجهة بعد فوات الأوان،، وقد تكون عودة بعد تضحية، وقد تكون عودة في مسافة زمنية صورها خيال الشاعرة رفضًا لمُجريات الأمور، وحُكم القدر،،
لا يمكننا الجزم بمسار الأحداث،
تبقى الإجابة لدى الشاعرة،،،
النص تجربة شعورية تنتمي لواقع وجداني مُعاش، وصراع برعت الشاعرة في وصفه رغم استخدامها الرمزية بكثافة،،
نص موفق، ومُرهِق، ويحتمل عدة قراءات
ومُتميز. ويستحق التَّفَرُد وسط النصوص الأدبية
القراءة اجتهاد شخصي، ومراجعة للنص.
النص الأدبي
أما أنا
خارجة من رحم الكوابيس
ملتهبة بأشواق المنفى
مشتعلة الأظافر بأصابع الديناميت
مغسولة بالدمع كرسائل العشاق
مزدهرة بالحقد العادل
أرتوي بدم الخناجر في معركة حب
وأناظر الكتاب في كهف مغرور…
ليتك تعي قدرة اللغة على استمصال المحبة الشافي
وأنا أبحر في الأعماق المحتلة….
أتلاطم مع الموج
يتسلل الشوق إلى أضلعي
بين شهيق وز
فير
أعود إليك بكل جروحي الماضية
قلبان قربانا للقدر
بقلمي فداء محمد
زر الذهاب إلى الأعلى