الفجوة بين الشهادة والكفاءة: هل نُدرِّب من أجل التعلُّم أم من أجل الورقة؟
كتبت: المستشارة إسراء أسامه الطماوي
استشاري التنمية المستدامة وخبير تمكين الكوادر الشبابية والنسائية وبناء مهارات صناعة القرار
المدير التنفيذي لمركز التدريب والبحوث والدراسات الاستراتيجية بالشبكة العربية للتنمية المستدامة
الفجوة بين الشهادة والكفاءة: هل نُدرِّب من أجل التعلُّم أم من أجل الورقة؟
«ما بعد الشهادة… يبدأ الاختبار الحقيقي»
لم تعد الشهادة في عالم التدريب مجرد وثيقة تثبت أن شخصًا ما حضر برنامجًا أو اجتاز مسارًا تعليميًا؛ فقد تحولت لدى قطاع واسع من المتدربين إلى هدف قائم بذاته، وأصبحت عبارات مثل «هل توجد شهادة؟» و«هل الشهادة معتمدة؟» تسبق أحيانًا أسئلة أكثر أهمية: ماذا سأتعلم؟ وما الذي سأصبح قادرًا على فعله بعد انتهاء التدريب؟
وهنا تبدأ المشكلة.
فالشهادة تستطيع أن تثبت حضورك، وقد تثبت اجتيازك لمتطلبات برنامج ما، لكنها لا تستطيع وحدها أن تثبت أنك أصبحت أكثر كفاءة.
ومن هذه المسافة بين ما تحمله الأوراق وما يستطيع الإنسان فعله بالفعل تولد الفجوة بين الشهادة والكفاءة.
حين تصبح الورقة هي المنتج
لا تكمن الأزمة في رغبة المتدرب في الحصول على شهادة. فمن الطبيعي أن يرغب الإنسان في توثيق ما تعلمه، وأن يضيف إلى ملفه المهني ما يثبت استثماره في تطوير نفسه.
المشكلة تبدأ حين تنقلب المعادلة، فيصبح التعلم وسيلة للحصول على الشهادة، بدلًا من أن تكون الشهادة نتيجة لمسار تعلم حقيقي.
والأخطر أن المسؤولية هنا لا تقع على المتدرب وحده.
فسوق التدريب نفسه قد يساهم في صناعة هذه الثقافة عندما تتصدر عبارة «شهادة معتمدة» الإعلان، بينما تتراجع إلى الخلف أسئلة مثل: ما نواتج التعلم؟ ما المهارات التي سيكتسبها المتدرب؟ كيف سيتم تقييمها؟ وما الذي يستطيع تطبيقه بعد انتهاء البرنامج؟
وهكذا، شيئًا فشيئًا، ينتقل مركز الثقل من ماذا تعلمت؟ إلى ماذا حصلت؟
الحضور ليس تعلُّمًا… والتعلُّم ليس بالضرورة كفاءة
هناك سلسلة من المراحل كثيرًا ما يجري اختصارها في مرحلة واحدة.
أن يحضر الشخص تدريبًا لا يعني بالضرورة أنه تعلم.
وأن يتعلم معلومة جديدة لا يعني أنه يستطيع استخدامها.
وأن يستطيع أداء مهارة في تمرين تدريبي لا يعني بالضرورة أنه قادر على توظيفها بكفاءة عندما تتغير الظروف ويصبح القرار حقيقيًا وتترتب عليه نتائج.
الكفاءة تظهر عندما يستطيع الإنسان أن يستدعي ما تعلمه، ويفهم متى يستخدمه وكيف يستخدمه، ويتكيف مع الموقف، ويتحمل مسؤولية قراره وأدائه.
لذلك فإن السؤال الأكثر عدلًا بعد أي برنامج تدريبي ليس:
«كم ساعة تدربت؟»
بل:
«ما الذي أصبحت قادرًا على القيام به ولم تكن قادرًا عليه قبل التدريب؟»
وهذا السؤال وحده قادر على تغيير طريقة تصميم كثير من البرامج التدريبية.
مثال من الواقع
لنتخيل اثنين من الشباب يتقدمان إلى فرصة تتطلب إدارة فريق صغير واتخاذ قرارات في مواقف متغيرة.
الأول يحمل ملفًا ممتلئًا بالشهادات: القيادة، إدارة الوقت، التواصل، حل المشكلات، إدارة الأزمات، والعمل الجماعي.
والثاني يحمل عددًا أقل بكثير من الشهادات.
في المقابلة لا يُطلب منهما تعريف القيادة أو تعداد خطوات حل المشكلة، وإنما يوضع كل منهما أمام موقف:
تأخر أحد أعضاء الفريق عن إنجاز مهمة أساسية، وبدأ الخلاف بين عضوين آخرين يؤثر في العمل، وهناك موعد نهائي لا يمكن تأجيله.
ماذا ستفعل؟ ولماذا؟
هنا تتراجع قيمة الحفظ، وتبدأ الكفاءة في الظهور.
قد يتمكن صاحب الشهادات الأقل من تحليل المشكلة، وترتيب الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وإدارة الخلاف واتخاذ قرار يمكن الدفاع عنه.
وقد يكتشف صاحب الملف الممتلئ بالشهادات أنه يعرف أسماء الأدوات، لكنه لم يتعلم بعد كيف يستخدمها عندما يصبح الموقف حقيقيًا.
المثال لا يعني أن الشهادات بلا قيمة.
بل يعني شيئًا أكثر دقة:
عدد الشهادات لا يساوي بالضرورة حجم الكفاءة.
من المسؤول عن الفجوة؟
سيكون من السهل أن نلقي المسؤولية على المتدرب ونقول إنه يبحث عن الورقة.
لكن ذلك لن يكون منصفًا.
المسؤولية موزعة بين أكثر من طرف: متدرب اعتاد قياس تقدمه بعدد الشهادات، وجهة تدريب قد تستخدم الشهادة بوصفها عنصر الجذب الأساسي، ومدرب قد ينشغل بإنهاء المحتوى أكثر من بناء القدرة، وسوق عمل يطلب أحيانًا قوائم طويلة من الدورات دون أن يمتلك دائمًا أدوات دقيقة لقياس الجدارة الفعلية.
لذلك فإن إصلاح هذه الفجوة لا يبدأ بإلغاء الشهادة، وإنما بإعادة تعريف مكانها.
الشهادة ليست عدوًا للكفاءة.
لكنها أيضًا ليست بديلًا عنها.
ماذا يجب أن يحدث داخل التدريب؟
إذا أردنا أن نستعيد قيمة التدريب، فعلينا أن نتوقف عن قياسه بعدد الساعات والشرائح والمعلومات التي تم تقديمها فقط.
البرنامج الجيد ينبغي أن يبدأ بسؤال واضح:
ما القدرة التي نريد بناءها؟
ثم يأتي المحتوى لخدمة هذه القدرة، ويأتي التطبيق لاختبارها، ويأتي التقييم لقياس مدى تحققها.
ففي تدريب صناعة القرار مثلًا، لا يكفي أن يعرف المتدرب تعريف القرار وأنواعه ومراحله. يجب أن يواجه معلومات ناقصة، وبدائل متعارضة، وضغطًا زمنيًا، وعواقب محتملة، ثم يُطلب منه أن يختار ويبرر اختياره.
عندها فقط نكون قد بدأنا الانتقال من تقديم المعرفة إلى بناء القدرة.
ما بعد الشهادة
ربما نحتاج اليوم إلى إعادة صياغة السؤال الذي نطرحه بعد كل دورة تدريبية.
بدلًا من:
ما الشهادة التي حصلت عليها؟
نسأل:
ماذا تغيّر في طريقة تفكيرك أو أدائك؟
وبدلًا من:
كم دورة حضرت؟
نسأل:
ما الذي تستطيع فعله الآن؟
فالسوق لا يعمل بالشهادات المعلقة على الجدران، والمؤسسات لا تتقدم بعدد الملفات الممتلئة بها، والمجتمعات لا تبني قدراتها بتراكم الأوراق.
إنها تحتاج إلى إنسان يعرف، ويفهم، ويطبق، ويختار، ويتحمل مسؤولية اختياره.
وهنا تحديدًا تبدأ الرحلة الحقيقية ما بعد الشهادة.
لكن يبقى سؤال أصعب:
إذا كانت الدورات والشهادات وحدها لا تصنع الكفاءة، فهل كثرة برامج «التمكين» تعني بالضرورة أننا نصنع أفرادًا أكثر قدرة واستقلالًا؟
أم أننا أحيانًا نمنح الناس تدريبًا جديدًا… ثم نطلق عليه اسم التمكين؟
يتبع في المقال الثاني من سلسلة (ما بعد الشهادة)
بقلم
المستشارة إسراء اسامه الطماوي
زر الذهاب إلى الأعلى