*التربية بالإحترام… استثمار لطفل الغد*
بقلم دكتورة/ إيمان يحيى – دكتوراه فى علم نفس الطفل
(في زحمة الحياة اليومية، يلجأ كثير من الأهالي إلى الصوت العالي والعقاب السريع كوسيلة لضبط سلوك الطفل. هذا الحل قد يأتي بنتيجة لحظية، لكنه يفقدنا أشياء أعمق تظل مع الطفل لسنوات قادمة.
الطفل في سنواته الأولى يبني صورته عن نفسه من خلال الكلمات والمواقف التي يراها في البيت. عندما يسمع “أنت شاطر حتى لو غلطت”، يبدأ في فهم أن الخطأ ليس نهاية الطريق، وأن التعلم يأتي من المحاولة. أما عندما يسمع “أنت فاشل” أو “مش نافع”، فإن هذه الرسالة تترسخ داخله وتتحول إلى صوت داخلي يكبر معه.
التربية بالطيبة لا تعني ترك الطفل بلا حدود. بالعكس، الحدود ضرورية ليطمئن ويشعر بالأمان. الفرق أن هذه الحدود تُقال بهدوء واحترام، لا بالتهديد والإهانة. فبدلاً من “اسكت حالاً”، يمكننا أن نقول “أنا سامع إنك متضايق، نتكلم لما تهدى”. الفارق بسيط في اللفظ، لكنه كبير في الأثر.
الأطفال يتعلمون بالتقليد أكثر مما يتعلمون بالكلام المباشر. فإذا رأى الطفل الأب والأم يعتذران لبعضهما عند الخطأ، سيتعلم أن الاعتذار قوة وليس ضعفاً. وإذا شاهدهما يتحدثان بهدوء وقت الخلاف، سيكتسب المهارة نفسها. البيت هو المدرسة الأولى، والوالدان هما المعلم الأول.
*ومعك مثالاً بسيطاً:* طفل كسر كوباً بالخطأ. رد الفعل الغاضب سيعلمه الخوف والكذب. أما لو قلت له “حصل خير، المرة الجاية خلي بالك، وتعال نساعد بعض ننضف”، فأنت علمته تحمل المسؤولية، وفتحت بينكم باب أمان للحوار.
كما أن التربية القائمة على الاحترام تقلل من العناد. فالطفل الذي يشعر بأنه مسموع ومُقدر، يصبح أقل مقاومة للتوجيه، لأنه لا يحتاج أن يحارب لإثبات وجوده، فهو يشعر به أصلاً.
في النهاية، نحن لا نربي لنمر باليوم بلا صداع. نحن نربي إنساناً سيكبر ويتعامل مع الناس. وكل كلمة طيبة تُقال له اليوم، هي رصيد سيصرفه في تعاملاته غداً.
خليك قريباً من ابنك بالكلمة الحلوة قبل العقاب، بالحضن قبل الزعيق، وبالتفاهم قبل الأمر. فالذكريات هذه هي التي ستبقى معه عندما يكبر، وتخليه إنسان مرتاح مع نفسه ومع اللي حواليه، وعنده شعور بالأمان يسانده طول حياته).

زر الذهاب إلى الأعلى