فن

براعم أوبرا الإسكندرية يُنشدون ويُعرّفون بحب الوطن

براعم أوبرا الإسكندرية يُنشدون ويُعرّفون بحب الوطن

براعم أوبرا الإسكندرية يُنشدون ويُعرّفون بحب الوطن

رؤية قيادية وطنية لمشاركة كورال مركز تنمية المواهب بدار الأوبرا المصرية بالإسكندرية في احتفالات نصر أكتوبر المجيدة
بقلم المستشارة إسراء أسامة الطماوي
خبير تمكين الكوادر الشبابية والنسائية، واستشاري التنمية المستدامة وبناء القدرات القيادية وإدارة المنشآت التعليمية
المدير التنفيذي لمركز التدريب والبحوث والدراسات الاستراتيجية بالشبكة العربية للتنمية المستدامة
أالقوة الناعمة حين تتحدث بلغة الفن
لم تعد القوة الناعمة ترفًا ثقافيًا أو مجرد نشاط فني يُقدَّم على خشبة المسرح، بل أصبحت إحدى الأدوات المؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي، وترسيخ الهوية الوطنية، وصناعة صورة حضارية تعكس وعي المجتمع وقدرته على الاستثمار في الإنسان.
وحين يقف أطفالنا على خشبة مسرح سيد درويش بدار الأوبرا المصرية بالإسكندرية، في مشهد يجمع بين الانضباط والرقي والموهبة، فإننا لا نشاهد عرضًا فنيًا فحسب، بل نرى نموذجًا تربويًا متكاملًا تتجلى فيه قيمة العمل الجماعي، واحترام الفن، والثقة بالنفس، والانتماء إلى الوطن.
إن المظهر المنظم والراقي الذي تقدمه المؤسسات الثقافية لا يقل أهمية عن المحتوى الفني ذاته؛ فطريقة الوقوف، ودقة الأداء، والالتزام بالإيقاع، والتفاعل مع الجمهور، كلها رسائل صامتة تُسهم في بناء شخصية الطفل، وتمنحه خبرة عملية في تحمل المسؤولية والعمل ضمن فريق.
 أمسية فنية تحتفي بالإبداع وتحتضن المواهب
في أمسية فنية احتضنها مسرح سيد درويش بمحافظة الإسكندرية، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، اجتمعت الأغنيات الوطنية مع الموسيقى العالمية وإبداعات الموسيقار الكبير عمر خيرت، بمشاركة مواهب مركز تنمية المواهب بدار الأوبرا المصرية، في إطار حرص الدار على دعم المواهب الشابة وإتاحة الفرصة أمامها لإبراز قدراتها الفنية على خشبة المسرح.
وقدّم الكورال، تحت تدريب وقيادة الدكتور محمد حسني، أداءً يعكس قيمة التدريب المستمر والعمل الجماعي، فيما أطل أوركسترا أطفال المركز، بقيادة وتدريب الدكتورة نيفين المحمودي، بنخبة من المؤلفات الموسيقية العالمية، كاشفًا عن مهارات أدائية وقدرات موسيقية واعدة لدى هؤلاء البراعم.
كما شارك فصل البيانو، تحت تدريب الأستاذة مي عادل، بمجموعة من أشهر المؤلفات الموسيقية العالمية، إلى جانب مختارات من أعمال الموسيقار الكبير عمر خيرت، في تنوع فني أتاح للجمهور مساحة للاستمتاع بجمال الموسيقى وتعدد مدارسها.
إن مثل هذه التجارب تمنح الأطفال أكثر من فرصة للظهور؛ إنها تضعهم في مواجهة حقيقية مع متطلبات الأداء الاحترافي، وتعلمهم أن الموهبة بداية الطريق، أما التميز فيحتاج إلى تدريب وانضباط وصبر وإيمان بما يقدمونه.
حين يغني أطفالنا بلغات العالم… تظل الهوية مصرية!
ومن أجمل الرسائل التي يمكن أن تحملها هذه التجارب الفنية قدرة أطفالنا على تقديم أعمال بلغات أجنبية، بأداء متقن وحضور واثق، يؤكد أن الانفتاح على ثقافات العالم لا يتعارض مع الاعتزاز بالهوية الوطنية، بل يمكن أن يكون أحد وجوه القوة الثقافية المصرية.
وهنا تفرض الدعابة نفسها: يبدو أن براعمنا قرروا أن يتعلموا لغة العالم جيدًا، حتى لا يحتاجوا إلى مترجم عندما يقررون إبهار الجمهور! لكن الأهم أنهم يقدمون درسًا أعمق من مجرد إتقان الكلمات؛ فالفن لغة إنسانية مشتركة، والطفل الذي يتعلم التعبير عن نفسه بلغات متعددة يصبح أكثر قدرة على التواصل والتفاعل مع العالم.
وإذا كان كورال من كوريا الجنوبية قد لفت الأنظار بأداء أغنية «فيها حاجة حلوة» خلال استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن هذا المشهد يفتح أمامنا بابًا للتأمل في قدرة الأغنية المصرية على عبور الحدود والوصول إلى جمهور من ثقافات مختلفة.
فالأغنية الوطنية أو المرتبطة بوجدان المجتمع ليست مجرد كلمات وألحان؛ إنها حكاية وطن، وذاكرة شعب، وصورة ثقافية يمكن أن تصل إلى الآخر دون حاجة إلى خطابات طويلة.
ومن هنا، فإن أطفالنا ليسوا مجرد مواهب صاعدة، بل سفراء ثقافة وفن، وواجهات مشرفة لمصر حين تتاح لهم فرص التدريب الجاد والظهور اللائق. وكلما استثمرنا فيهم، منحنا الوطن فرصة جديدة ليُعرّف بنفسه من خلال الجمال والإبداع.
 من خشبة المسرح إلى بناء الشخصية القيادية
ومن منظور تنمية القدرات القيادية، فإن المشاركة في الكورال أو الأوركسترا تمثل مدرسة عملية لتعلم مهارات تتجاوز حدود الموسيقى؛ فالطفل يتعلم الالتزام بالتوقيت، والإنصات للآخرين، واحترام دور كل فرد، وتقبل التوجيه، والعمل لتحقيق هدف مشترك.
وهذه المهارات هي ذاتها التي تحتاج إليها القيادات المستقبلية في المؤسسات التعليمية والمجتمعية والمهنية.
إن الاستثمار في المواهب الصغيرة ليس إنفاقًا على نشاط ترفيهي، بل استثمار في رأس المال البشري، وفي جيل يمتلك الثقة والوعي والقدرة على التعبير عن ذاته، مع احترام الآخرين والانفتاح على الثقافات المختلفة.
ومن هنا تأتي أهمية دعم المؤسسات الثقافية والفنية، وتعزيز التعاون بينها وبين المؤسسات التعليمية والتدريبية، حتى تصبح الفنون جزءًا أصيلًا من منظومة بناء الإنسان، لا نشاطًا هامشيًا يُستدعى في المناسبات ثم يُنسى.
 تحية تقدير لمن يصنعون هذا الجمال
كل التقدير لدار الأوبرا المصرية بالإسكندرية، ولمركز تنمية المواهب، وللقيادات الفنية والتدريبية التي تعمل على اكتشاف قدرات الأطفال وصقلها، وإعدادهم للوقوف على خشبة المسرح بثقة وانضباط.
وتحية خاصة للدكتور محمد حسني، والدكتورة نيفين المحمودي، والأستاذة مي عادل، تقديرًا لدورهم في تدريب المواهب وتنمية قدراتها، وللأطفال الذين أثبتوا أن الموهبة حين تجد الرعاية والتوجيه تتحول إلى إنجاز يستحق الاحتفاء.
إن الاحتفال بنصر أكتوبر المجيد لا يقتصر على استحضار بطولات الماضي، بل يمتد إلى إعداد أجيال قادرة على مواصلة البناء، كلٌّ من موقعه، وبما يمتلكه من علم أو فن أو معرفة أو مهارة.
فكما صنعت إرادة المصريين نصر أكتوبر، فإن إرادة البناء اليوم تصنع جيلًا جديدًا يعرف قيمة وطنه، ويعتز بهويته، ويملك أدوات التعبير عن حضارته أمام العالم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نراه على خشبة المسرح ليس طفلًا يؤدي أغنية بإتقان فحسب، بل طفلًا يكتشف أن صوته له قيمة، وأن موهبته مسؤولية، وأن وطنه يستحق منه أن يتعلم ويبدع ويتميز.
تحية لكل يدٍ تُعلّم، ولكل عقلٍ يُوجّه، ولكل موهبةٍ صغيرة تحمل في صوتها حلمًا كبيرًا… تحية لبراعم أوبرا الإسكندرية، الذين يجعلون من الفن رسالة، ومن الموهبة أملًا، ومن حب الوطن لحنًا يستحق أن يُسمع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى