سيدات مبدعات

من السوق إلى المائدة: كيف تُدار أزمات الغذاء محليًا؟

من السوق إلى المائدة: كيف تُدار أزمات الغذاء محليًا؟

من السوق إلى المائدة: كيف تُدار أزمات الغذاء محليًا؟

كتبت: د. إسراء اسامه الطماوي
استشاري بناء القدرات القيادية والتنمية المستدامة
السعر لا يكذب… لكن الإدارة أحيانًا تفعل.
قبيل شهر رمضان المبارك…
في أزمات السلع الأساسية، لا يكون السؤال الحقيقي: هل السلعة متوفرة؟
بل: هل تُدار المنظومة بكفاءة؟
فالقيادة المحلية هي خط الدفاع الأول بين السياسات العامة وواقع المواطن، وحين تغيب القراءة المبكرة أو يتأخر القرار، تتحول أي فجوة إدارية إلى عبء مباشر على المائدة المصرية.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة أزمة أسعار الدواجن الحالية باعتبارها أزمة موارد أو إنتاج، بل بوصفها نتيجة مباشرة لخلل إداري في إدارة السوق محليًا، سمح بانفصال السعر عن منطقه، وترك المساحة فارغة أمام ممارسات لا يحكمها سوى الربح السريع.
واقع الأرقام يؤكد أن مدخلات إنتاج الدواجن مستقرة نسبيًا، وأن الأعلاف واللقاحات لم تشهد قفزات تبرر هذا الارتفاع المفاجئ في الأسعار. ومع ذلك، نشهد سوقًا يتحرك بعصبية، وتسعيرًا يتغير بلا سند واضح، وكأن التكلفة أصبحت تفصيلًا ثانويًا.
هنا يظهر الخلل الحقيقي:
السوق لا يُدار بالأرقام، بل بالإشارات.
إشارات يطلقها بعض السماسرة ونقاط البيع، فتتحول إلى “سعر سائد” يُفرض كأمر واقع، دون مساءلة حقيقية عن مصدره أو مشروعيته.
المشكلة لا تتوقف عند الوسطاء، بل تمتد إلى تحول بعض محلات البيع من حلقة توزيع إلى مراكز قرار سعري، تفرض زيادات كبيرة تحت مسميات غير منضبطة، في غياب رقابة فعالة على الفارق بين سعر المزرعة وسعر المستهلك.
وقبيل شهر رمضان، تتكرر الحلقة الأخطر:
استدعاء الخوف، تغذية ثقافة التخزين، وتمرير الغلاء باعتباره “طبيعيًا”.
بينما هو في الحقيقة نقل منظّم لتكلفة سوء الإدارة إلى المواطن.
من منظور بناء القدرات القيادية، فإن الأزمة تكشف عن ثلاثة أوجه قصور رئيسية:
غياب الرصد المبكر لتحركات السوق غير المنطقية.
ضعف التنسيق التنفيذي بين الجهات المحلية المعنية.
تردد في استخدام الصلاحيات القانونية المتاحة للحسم السريع.
القيادة المحلية الفعّالة لا تنتظر انفجار الأزمة، ولا تكتفي بحملات موسمية، بل تدير السوق كمنظومة مترابطة، تراقب السلسلة كاملة من الإنتاج إلى البيع النهائي، وتتحرك عند أول إشارة خلل.
ضبط السوق ليس صدامًا مع التجار، بل حماية للتوازن.
والتدخل المبكر أقل كلفة من ترك الأزمة تتضخم ثم محاولة احتوائها اجتماعيًا وإعلاميًا.
الحل ليس جديدًا ولا معقدًا:
تفعيل حقيقي لقوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكار.
تمكين القيادات المحلية من القرار السريع داخل أطر واضحة.
مصادرة الكميات المحتكرة أو المسعّرة خارج المنطق.
ضخ السلع فورًا في المنافذ الرسمية لكسر أي تسعير وهمي.
في النهاية،
قوة الدولة لا تُقاس بوفرة السلعة فقط،
بل بعدالة سعرها، وسلامة إدارتها، وسرعة تدخل قيادتها المحلية.
وحين تُدار أزمات الغذاء بعقلية القيادة لا بردّ الفعل،
يعود السوق إلى وظيفته الطبيعية…
وتعود المائدة آمنة، بلا قلق ولا استنزاف.
بقلم
المستشارة إسراء اسامه الطماوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى